عبد الوهاب الشعراني
360
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
ورويا أيضا مرفوعا : « أفضل الأعمال إدخال السّرور على المؤمن ، كسوت عورته أو أشبعت جوعته أو قضيت له حاجة » . والأحاديث في قضاء حوائج المسلمين كثيرة مشهورة : وروى أبو داود مرفوعا : « من شفع شفاعة لأحد فأهدى له هديّة عليها فقبلها فقد أتى بابا عظيما من أبواب الكبائر » واللّه تعالى أعلم . [ الاستحياء من اللّه سرا وجهرا : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن نستحي من اللّه حق الحياء سرا وجهرا حتى لا يكون لنا سريرة سيئة نخشى من ظهورها وفضيحتها لا في الدنيا ولا في الآخرة ونأمر جميع إخواننا بذلك . ويحتاج من يريد العمل بهذا العهد إلى السلوك على يد شيخ ناصح يسلك به حضرات القرب ويدخله حضرات الإحسان ، حتى لا يكاد يخرج منها إلا في النادر ، وهناك يكون شهوده للحق تعالى مستداما ، فتارة يرى أن اللّه يراه ، وتارة يؤمن بأنه جليس اللّه ، وإن كان يراه كالأعمى يعرف أنه جليس زيد وإن كان لا يراه ، ومن لم يسلك على يد شيخ فمن لازمه غالبا قلة الحياء مع اللّه تعالى حتى في صلاته . وسمعت أخي أفضل الدين رحمه اللّه يقول : لا يبلغ أحد مقام الحياء مع اللّه تعالى حتى يتعطل كاتب الشمال فلا يجد شيئا يكتبه في حقه أبدا ، وحتى يصير لا يتجرأ على مد رجله إلا إن استأذن الحق ، ولا يأكل شهوة إلا إن استأذن الحق ، ولا ينظر نظرة إلا إن استأذن الحق ، ولا يتكلم كلمة إلا إن استأذنه وهكذا ، هذا في الأمور العادية ، أما الأمور المشروعة فيكتفي فيها بالإذن العام . وبالجملة فكل من وقع في شهوة كمعصية أو مكروه ، فما استحيا من اللّه حق الحياء المشروع . وبلغنا أن سيدي إبراهيم بن أدهم مد رجله ليلة في الظلام ، فسمع قائلا يقول : يا إبراهيم ما هكذا تجالس الملوك فضم رجله ولم يمدها إلى أن مات رحمه اللّه . وسمعت سيدي عليا الخواص رحمه اللّه يقول : من استحيا من اللّه استحيا اللّه منه يوم القيامة أن يؤاخذه ، ومن غضب إذا انتهكت حرمات اللّه غضب اللّه إذا انتهكت له حرمة كذلك ، ومن لم يستح من اللّه لم يستح اللّه من عذابه ، ومن لم يغضب للّه تعالى لا يغضب اللّه لأجله وهكذا ، فمجازاته تعالى كالفرع في هذه الأمور وإن كان الأصل منه كما قال : فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ [ البقرة : 152 ] وكما قال : إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ [ محمد : 7 ] . وسألت شيخ الإسلام زكريا رحمه اللّه عن الفرق بين الحياء الشرعي والحياء الطبيعي فقال : الفرق بينهما هو أن الحياء الشرعي يكون فيما أمر به الشارع أو نهى عنه فيستحي من اللّه أن يترك مأمورا أو يقع في منهي ، والحياء الطبيعي يكون فيما سكت عنه الشارع من الأمور العادية ، كأن يستحي أن يخرج بعمامة لا تليق به أو يخرج إلى السوق بغير رداء